هذا المقال يأخذك إلى برشلونة قبل ميسي، إلى تاريخ مليء بالصراعات، البطولات، الخيبات، والرموز التي لا يعرفها الجيل الجديد، لكنه تاريخ صنع هوية نادي يُعد اليوم من أكبر أندية العالم.
النشأة: أكثر من مجرد نادي كرة قدم
تأسس نادي برشلونة عام 1899 على يد السويسري خوان غامبر، في وقت لم تكن فيه كرة القدم أكثر من لعبة وافدة على المجتمع الإسباني. منذ لحظاته الأولى، لم يكن برشلونة ناديًا عاديًا، بل كيانًا اجتماعيًا وثقافيًا يمثل كتالونيا في مواجهة مركزية مدريد.
شعار “Més que un club” (أكثر من مجرد نادٍ) لم يكن دعاية، بل وصفًا دقيقًا لدور برشلونة. النادي أصبح ملجأً للهوية الكتالونية، خاصة خلال فترات القمع السياسي، وهو ما جعله هدفًا دائمًا للسلطات، وسببًا في تضخيم العداء التاريخي مع ريال مدريد.
سنوات التأسيس وبناء الشخصية (1900–1930)
في بدايات القرن العشرين، فرض برشلونة نفسه كقوة محلية في كتالونيا، ثم على مستوى إسبانيا. توج بعدة ألقاب إقليمية، وبدأ في ترسيخ أسلوب لعب يعتمد على المهارة والكرة الأرضية، في وقت كانت فيه الكرة الأوروبية تميل للقوة البدنية.
أسماء مثل بولينو ألكانتارا، أحد أعظم مهاجمي تلك الحقبة، لعبت دورًا حاسمًا في جعل برشلونة فريقًا مخيفًا هجوميًا. ألكانتارا كان نجمًا حقيقيًا قبل زمن النجومية، وسجل أرقامًا جعلته أسطورة مبكرة للنادي.
الحرب الأهلية والسنوات السوداء
الحرب الأهلية الإسبانية (1936–1939) كانت نقطة تحول مأساوية في تاريخ برشلونة. اغتيال رئيس النادي جوسيب سونول على يد قوات فرانكو لم يكن حادثًا عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة. النادي عانى من القمع، تغيير الاسم قسرًا، ومنع اللغة الكتالونية داخل أروقته.
في تلك السنوات، لم يكن التتويج بالألقاب أولوية، بل البقاء على قيد الحياة. ورغم ذلك، لم ينهار النادي، بل خرج من المحنة بهوية أقوى، وشعور أعمق بالانتماء لدى جماهيره.
الخمسينيات: عصر المجد الأول
إذا كان هناك عقد ذهبي لبرشلونة قبل ميسي، فهو الخمسينيات. في تلك الفترة، امتلك النادي واحدًا من أعظم الفرق في تاريخه بقيادة الأسطورة لازلو كوبالا.
كوبالا لم يكن مجرد لاعب، بل ظاهرة غيرت مفهوم الكرة في إسبانيا. بفضله، فاز برشلونة بالدوري الإسباني، كأس الملك، وكأس اللاتينيين، وسيطر محليًا وأوروبيًا نسبيًا في زمن لم تكن فيه البطولات القارية بالشكل الحالي.
في تلك الحقبة، وُلد ملعب كامب نو عام 1957، كرمز لطموح النادي وجماهيريته الجارفة. الملعب لم يكن مجرد مدرجات، بل إعلانًا صريحًا بأن برشلونة نادٍ كبير لا يقبل أن يكون في الظل.
الستينيات والسبعينيات: تذبذب وصراع دائم
بعد عصر كوبالا، دخل برشلونة فترة من عدم الاستقرار. ريال مدريد هيمن أوروبيًا بقيادة دي ستيفانو، بينما عانى برشلونة من إخفاقات أوروبية متكررة، خصوصًا في نهائيات كأس أوروبا.
لكن رغم ذلك، لم يختفِ بريق النادي. في السبعينيات، جاء الهولندي يوهان كرويف لاعبًا، لا مدربًا بعد، وغيّر نظرة الجماهير للفريق. فوز برشلونة الساحق 5-0 على ريال مدريد في البرنابيو عام 1974 لم يكن مجرد انتصار، بل لحظة كرامة تاريخية لجماهير كتالونيا.
كرويف… البداية الحقيقية للثورة
قبل أن يكون اسم ميسي مرادفًا لبرشلونة، كان اسم يوهان كرويف هو العمود الفقري للفلسفة الكروية للنادي. كلاعب، ثم كمدرب في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، أعاد كرويف تعريف هوية برشلونة.
“فريق الأحلام” الذي صنعه كرويف فاز بأول دوري أبطال أوروبا في تاريخ النادي عام 1992، وهو إنجاز يُنسى أحيانًا عند الحديث عن أمجاد برشلونة. هذا اللقب لم يكن مجرد بطولة، بل تتويج لفلسفة لعب قائمة على الاستحواذ، الذكاء، والجرأة.
بدون كرويف، بصراحة، لم يكن ميسي ليجد البيئة التي سمحت له بأن يصبح أسطورة.
برشلونة في التسعينيات: أبطال بدون ميسي
في التسعينيات وبداية الألفية، كان برشلونة نادٍ بطولات حتى دون وجود ميسي. أسماء مثل:
- روماريو
- ريفالدو
- لويس فيغو
- بيب غوارديولا (كلاعب)
قادت الفريق للتتويج بالدوري الإسباني، كأس الملك، وكأس الكؤوس الأوروبية. ريفالدو تحديدًا فاز بالكرة الذهبية عام 1999 بقميص برشلونة، في زمن كان النادي فيه قوة هجومية ضاربة.
هذه الحقبة تؤكد حقيقة لا يحب البعض سماعها: برشلونة لم يكن فريق لاعب واحد، ولن يكون.
لماذا ينسى الناس برشلونة قبل ميسي؟
السبب بسيط وواضح:
ما فعله ميسي كان استثنائيًا لدرجة أنه طغى على كل ما قبله. أرقام قياسية، بطولات متتالية، لحظات إعجازية جعلت الأجيال الجديدة تعتقد أن برشلونة وُلد عام 2004.
لكن هذا ظلم للتاريخ. ميسي هو الثمرة، وليس الجذور.
ميسي جزء من القصة، لا القصة كلها
برشلونة قبل ميسي كان ناديًا كبيرًا، عنيدًا، وصاحب هوية واضحة. مرّ بسنوات مجد وانكسار، صنع أساطير، وبنى فلسفة لعب أصبحت مرجعًا عالميًا.
قول الحقيقة مهم:
ميسي هو أعظم لاعب في تاريخ برشلونة، نعم.
لكن برشلونة أعظم من أي لاعب.
ومن لا يعرف تاريخ برشلونة قبل ميسي، لا يفهم حقًا لماذا كان ميسي عظيمًا في هذا المكان بالذات.
