يُعد كأس العالم أكثر من مجرد بطولة لكرة القدم، فهو الحدث الرياضي الذي يحلم به كل لاعب ومنتخب، بينما تمثل الكأس الذهبية رمز المجد الذي يسعى الجميع لرفعه بعد سنوات من العمل والتضحيات. وعلى مدار التاريخ، ارتبطت هذه الكأس بلحظات لا تُنسى صنعتها المنتخبات العظيمة، لكن خلف هذا البريق تختبئ قصة لا تقل إثارة عن المباريات النهائية نفسها.
فقد تعرضت كأس العالم الأصلية لواحدة من أغرب الحوادث في تاريخ الرياضة، ليس مرة واحدة، بل مرتين. الأولى انتهت بمعجزة غير متوقعة عندما أنقذ كلب صغير الكأس من الضياع، أما الثانية فكانت أكثر غموضًا، إذ اختفت الكأس إلى الأبد، ولا يزال مصيرها الحقيقي يثير الجدل حتى اليوم.
في هذا المقال نستعرض القصة الكاملة لسرقة كأس العالم مرتين، وكيف تحولت الكأس الأشهر في العالم إلى محور واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ كرة القدم.
الكأس الذهبية التي أصبحت رمزًا لكرة القدم
قبل التعرف على قصتي السرقة، لا بد من معرفة أهمية الكأس نفسها. فقد صُممت الكأس الأصلية خصيصًا لبطولة كأس العالم الأولى، وكانت تحمل اسم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك، قبل أن تُعرف لاحقًا باسم كأس جول ريميه.
صُنعت الكأس من الذهب، وجاء تصميمها على هيئة شخصية مجنحة تحمل وعاءً فوق رأسها، لتصبح رمزًا لانتصار أبطال العالم. ومع مرور العقود، أصبحت الكأس هدفًا ثمينًا ليس فقط لقيمتها المادية، بل لقيمتها التاريخية والمعنوية التي لا تُقدر بثمن.
ولهذا السبب، كانت الجهات المنظمة تتعامل معها بحذر شديد، لكن ذلك لم يمنع وقوع حادثتي سرقة هزتا عالم الرياضة.
السرقة الأولى في إنجلترا عام 1966
استضافت إنجلترا نهائيات كأس العالم عام 1966 وسط استعدادات ضخمة، وكانت الكأس الأصلية معروضة للجماهير ضمن معرض خاص قبل انطلاق البطولة بأسابيع.
وفي أحد الأيام، دخل أحد اللصوص إلى مكان العرض مستغلًا ثغرة أمنية، وتمكن من سرقة الكأس وسط ذهول الجميع. وسرعان ما انتشر الخبر في الصحف العالمية، وتحولت القضية إلى أولوية بالنسبة للشرطة البريطانية.
بدأت عمليات بحث واسعة، وأُغلقت العديد من الطرق، كما خضع عشرات الأشخاص للتحقيق، لكن الكأس اختفت تمامًا دون أي أثر.
وأصبحت الصحف تتساءل: كيف يمكن أن تختفي أشهر كأس في العالم بهذه السهولة؟
تحقيقات واسعة دون نتائج
بعد السرقة، تلقت الشرطة رسائل من مجهولين يطالبون بفدية مقابل إعادة الكأس، لكن التحقيقات لم تؤدِ إلى استعادة الكأس، كما لم تتمكن السلطات من تحديد مكانها.
ورغم الإمكانيات الكبيرة التي سخرتها الشرطة البريطانية، بقيت القضية لغزًا حقيقيًا، وبدأت المخاوف تتزايد من إقامة البطولة دون وجود الكأس الأصلية.
بل إن بعض المسؤولين فكروا في تصنيع نسخة بديلة إذا لم يتم العثور عليها قبل المباراة النهائية.
الكلب الذي أصبح بطلًا قوميًّا
بينما كانت الشرطة تواصل البحث، وقعت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد.
خرج رجل بريطاني مع كلبه "بيكلز" في نزهة عادية بالقرب من منزله، ولاحظ الكلب وجود طرد ملفوف داخل صحيفة أسفل إحدى الشجيرات. وعندما اقترب صاحبه ليتفقد الأمر، اكتشف أن الطرد يحتوي على كأس العالم المفقودة.
أبلغ الرجل الشرطة فورًا، وبعد الفحص تأكد أن الكأس أصلية ولم تتعرض لأي أضرار تُذكر.
وهكذا انتهت واحدة من أغرب عمليات البحث في تاريخ الرياضة بفضل كلب لم يكن يعلم أنه سيصبح أشهر كلب في العالم خلال أيام قليلة.
شهرة غير مسبوقة للكلب بيكلز
تحول "بيكلز" إلى نجم عالمي بعد العثور على الكأس.
تصدرت صوره الصفحات الأولى للصحف، وحصل على جوائز عديدة، كما تلقى دعوات للمشاركة في برامج تلفزيونية وفعاليات عامة.
ولم تتوقف شهرته عند بريطانيا فقط، بل أصبح اسمه معروفًا لدى جماهير كرة القدم في مختلف أنحاء العالم، حتى إن كثيرين اعتبروا أنه ساهم في إنقاذ البطولة من أزمة كبيرة.
وبعد أشهر قليلة، نجحت إنجلترا في الفوز بأول لقب عالمي في تاريخها، لتظل بطولة 1966 مرتبطة بقصتين خالدتين؛ تتويج أصحاب الأرض، والعثور على الكأس المفقودة.
لماذا لم تتكرر حادثة مماثلة؟
بعد حادثة 1966، شدد الاتحاد الدولي لكرة القدم إجراءات حماية الكأس بشكل كبير.
فأصبحت تُنقل تحت حراسة أمنية مشددة، كما جرى وضع قواعد أكثر صرامة لعرضها في المناسبات العامة، وأصبح الوصول إليها يخضع لإجراءات دقيقة للغاية.
ورغم هذه الاحتياطات، فإن القدر كان يخفي مفاجأة جديدة بعد سنوات قليلة.
انتقال الكأس إلى البرازيل
وفقًا للوائح البطولة آنذاك، كان المنتخب الذي يحقق لقب كأس العالم ثلاث مرات يحتفظ بالكأس الأصلية بشكل دائم.
وعندما فازت البرازيل بلقبها الثالث عام 1970، أصبحت المالكة الرسمية لكأس جول ريميه.
واحتفظ الاتحاد البرازيلي لكرة القدم بالكأس داخل مقر خاص، ووُضعت داخل صندوق زجاجي ظن الجميع أنه يوفر لها الحماية الكافية.
لكن ما حدث لاحقًا أثبت العكس.
السرقة الثانية عام 1983
في ديسمبر عام 1983، اقتحم لصوص مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، وتمكنوا من كسر الحاجز الزجاجي وسرقة الكأس الأصلية.
كانت الصدمة هائلة، خاصة أن الجميع اعتقد أن الدروس المستفادة من حادثة 1966 ستمنع تكرار مثل هذا السيناريو.
ومع انتشار الخبر، بدأت الشرطة البرازيلية واحدة من أكبر عمليات التحقيق في تاريخ البلاد، أملاً في العثور على الكأس قبل أن تختفي نهائيًا.
لماذا كانت السرقة الثانية أكثر خطورة؟
اختلفت السرقة الثانية عن الأولى في عدة جوانب
ففي عام 1966 كانت الكأس ما تزال داخل بريطانيا، كما عُثر عليها بعد أيام قليلة وهي بحالة جيدة.
أما في البرازيل، فقد اختفت الكأس سريعًا، ولم يظهر أي دليل واضح يقود إلى مكانها، كما أن اللصوص كانوا على دراية بقيمتها وإمكانية التخلص منها بسرعة.
ولهذا أصبحت فرص استعادتها أقل بكثير منذ الساعات الأولى بعد السرقة.
هل تم العثور على الكأس؟
رغم القبض على عدد من المشتبه بهم لاحقًا، لم تتمكن السلطات من استعادة الكأس.
وتشير أغلب الروايات إلى أن اللصوص قاموا بصهر الذهب وبيعه، ما أدى إلى اختفاء الكأس الأصلية نهائيًا.
ورغم مرور عقود على الحادثة، لم يظهر أي دليل مادي يؤكد بقاء الكأس أو مكان وجودها، لذلك لا تزال تُعد واحدة من أشهر القطع الرياضية المفقودة في التاريخ.
وقد حاول بعض الباحثين طرح فرضيات مختلفة، إلا أن الرواية الأكثر تداولًا تبقى أنها تعرضت للصهر بعد وقت قصير من السرقة.
كيف تعاملت كرة القدم مع اختفاء الكأس؟
بعد فقدان كأس جول ريميه، لم يعد بالإمكان استعادتها أو عرضها في المتاحف الرياضية.
وبحلول ذلك الوقت، كانت بطولة كأس العالم تُقام بالفعل باستخدام الكأس الحالية التي بدأ العمل بها منذ نسخة 1974، لذلك لم تتأثر البطولة من الناحية التنظيمية.
ومع ذلك، بقي اختفاء الكأس الأصلية خسارة تاريخية كبيرة، لأنها كانت شاهدًا على أولى بطولات كأس العالم وعلى إنجازات العديد من المنتخبات والأساطير الذين صنعوا تاريخ اللعبة.
الكأس الحالية أكثر حماية
أصبحت الكأس الحالية تخضع لإجراءات أمنية معقدة، سواء أثناء السفر أو خلال مراسم التتويج أو في المعارض الرسمية.
ولا يُسمح بلمسها إلا في حالات محددة للغاية، كما تُنقل داخل حقائب مخصصة وترافقها فرق أمنية متخصصة.
وتعكس هذه الإجراءات الدروس التي تعلمها عالم كرة القدم من حادثتي السرقة، خاصة بعد ضياع الكأس الأصلية إلى الأبد.
لماذا لا تزال قصة سرقة كأس العالم تثير الاهتمام؟
رغم مرور سنوات طويلة على الحادثتين، فإن القصة لا تزال تحظى باهتمام واسع لأنها تجمع بين التاريخ والغموض والإثارة.
فالسرقة الأولى انتهت بنهاية سعيدة بفضل كلب عادي أصبح بطلًا عالميًا، بينما انتهت الثانية باختفاء أحد أشهر الرموز الرياضية في العالم دون رجعة.
كما أن القصتين تؤكدان أن حتى أكثر المقتنيات قيمة يمكن أن تتعرض للخطر إذا لم تتوافر لها الحماية الكافية، وهو ما دفع المؤسسات الرياضية إلى إعادة النظر في أساليب تأمين الجوائز التاريخية.
إرث لا يختفي رغم ضياع الكأس
قد تكون الكأس الأصلية قد اختفت، لكن قيمتها التاريخية لم تختفِ أبدًا. فما زالت صورها محفوظة في الكتب والمتاحف والأفلام الوثائقية، وما زالت مرتبطة بأسماء أعظم المنتخبات واللاعبين الذين رفعوها منذ انطلاق كأس العالم.
وأصبحت قصتا سرقتها جزءًا من التراث الكروي العالمي، إذ يرويها المؤرخون باعتبارها من أكثر الوقائع غرابة في تاريخ الرياضة، بل إن كثيرًا من الجماهير تعرف اسم الكلب "بيكلز" بسبب هذه القصة أكثر مما تعرف أسماء بعض اللاعبين الذين شاركوا في البطولة نفسها.
نهاية غامضة لأشهر كأس في العالم
تمثل قصة سرقة كأس العالم مرتين واحدة من أكثر الأحداث غرابة في تاريخ كرة القدم. ففي عام 1966 اختفت الكأس قبل انطلاق البطولة، لكن الصدفة قادت كلبًا يدعى "بيكلز" إلى العثور عليها ملفوفة داخل صحيفة، لتنتهي الأزمة نهاية سعيدة. أما في عام 1983، فقد كانت النهاية مختلفة تمامًا، إذ سُرقت الكأس من مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، ولم تظهر مرة أخرى، وسط اعتقاد واسع بأنها صُهرت واختفت إلى الأبد.
وبقيت هذه القصة شاهدًا على أن أعظم رموز الرياضة ليست بمنأى عن المخاطر، وأن بعض الأحداث خارج المستطيل الأخضر قد تصبح أكثر شهرة من مباريات صنعت تاريخ كأس العالم نفسه.

