كيف حوّل مانشستر سيتي الاستثمارات الضخمة إلى ألقاب؟

كيف حوّل مانشستر سيتي الاستثمارات الضخمة إلى ألقاب؟ من مشروع مالي إلى آلة بطولات

عندما استحوذت مجموعة أبوظبي المتحدة على نادي مانشستر سيتي عام 2008، لم يكن النادي سوى اسم تقليدي في الكرة الإنجليزية، بلا تاريخ أوروبي كبير ولا استمرارية محلية. 

لكن خلال أقل من عقدين، تحوّل مانشستر سيتي إلى واحد من أقوى أندية العالم وأكثرها هيمنة. السؤال الحقيقي ليس “كم أنفق السيتي؟” بل كيف حوّل هذه الاستثمارات إلى ألقاب فعلية واستدامة رياضية؟ هنا يكمن الفارق بين السيتي وغيره.

البداية: المال وحده لا يصنع فريقًا

السنوات الأولى بعد الاستحواذ شهدت إنفاقًا ضخمًا على النجوم، مثل روبينيو، تيفيز، ويايا توريه. ورغم تحقيق لقب الدوري الإنجليزي 2012 بطريقة درامية، كان الفريق لا يزال يعاني من التذبذب. هذه المرحلة كشفت حقيقة مهمة: الإنفاق العشوائي يحقق لحظات، لا مشاريع.

إدارة السيتي أدركت سريعًا أن التحول الحقيقي لا يأتي بشراء لاعبين فقط، بل ببناء منظومة كاملة، وهو ما غيّر مسار النادي جذريًا.

الإدارة الرياضية: العقل قبل المال

التحول الجوهري بدأ بتعيين أسماء إدارية ذات رؤية طويلة المدى، أبرزهم فيران سوريانو وتيكي بيغيريستين، وهما من صُنّاع مشروع برشلونة الذهبي. وجود إدارة رياضية تفهم كرة القدم الحديثة كان المفتاح.

هذه الإدارة وضعت فلسفة واضحة:

  • هوية لعب محددة
  • مدرب يتماشى مع هذه الهوية
  • تعاقدات تخدم الخطة وليس العكس

من هنا، لم يعد السوق مجرد ساحة لشراء النجوم، بل أداة لبناء فريق متكامل.

بيب جوارديولا: الاستثمار الأذكى في تاريخ النادي

بيب جوارديولا: الاستثمار الأذكى في تاريخ النادي

التعاقد مع بيب جوارديولا عام 2016 كان أهم استثمار قام به مانشستر سيتي، وربما الأذكى في تاريخه. بيب لم يطلب لاعبين فقط، بل طلب سيطرة كاملة على المشروع الفني.

مع جوارديولا:

  • تغيّر أسلوب اللعب جذريًا
  • تطورت جودة اللاعبين بشكل ملحوظ
  • أصبح الفريق آلة ضغط واستحواذ لا تتوقف

اللافت أن كثيرًا من لاعبي السيتي لم يكونوا نجوماً عالميين قبل قدومهم، لكنهم تحوّلوا إلى الأفضل في مراكزهم تحت قيادة بيب، مثل دي بروين، ستونز، برناردو سيلفا، ورودري.

سياسة التعاقدات: جودة محسوبة لا أسماء رنانة

على عكس الصورة الشائعة، مانشستر سيتي لا يشتري أي نجم متاح. سياسته تعتمد على:

  • تحليل دقيق للأداء
  • عمر مناسب
  • قابلية للتطور
  • انسجام مع أسلوب اللعب

حتى الصفقات الكبيرة، مثل جاك جريليش أو إيرلينج هالاند، جاءت بعد دراسة عميقة. هالاند مثلًا لم يُشترَ فقط لهدفيته، بل لأنه يناسب منظومة تصنع له الفرص باستمرار.

السيتي أيضًا أتقن بيع اللاعبين غير الأساسيين بأسعار ممتازة، ما ساعد على موازنة الميزانية وإعادة الاستثمار بذكاء.

البنية التحتية: الاستثمار الصامت الذي يصنع الفارق

بعيدًا عن الأضواء، ضخ مانشستر سيتي ملايين الجنيهات في:

  • مركز تدريبات عالمي
  • أكاديميات متطورة
  • فرق تحليل وأداء بدني

هذه الاستثمارات لا تظهر في لقطات الأهداف، لكنها تصنع الفارق على المدى الطويل. اللاعب في السيتي يعيش في بيئة احترافية مثالية تساعده على التطور والاستمرارية.

الأكاديمية: من شراء النجوم إلى صناعتهم

في السنوات الأخيرة، بدأت أكاديمية مانشستر سيتي تؤتي ثمارها. أسماء مثل فيل فودين أثبتت أن النادي لا يعتمد فقط على السوق، بل بات قادرًا على إنتاج مواهب تنافس عالميًا.

حتى اللاعبين الذين لا يجدون فرصة في الفريق الأول يتم تطويرهم وبيعهم، ما يجعل الأكاديمية جزءًا من النموذج الاقتصادي للنادي.

السيطرة المحلية: تحويل الدوري الإنجليزي إلى ساحة نفوذ

بفضل هذا النموذج المتكامل، أصبح مانشستر سيتي القوة الأكثر ثباتًا في الدوري الإنجليزي. المنافسة الشرسة لم تمنعه من:

  • الفوز بعدة ألقاب دوري
  • تحطيم أرقام قياسية في النقاط والأهداف
  • التفوق على أندية ذات تاريخ أعرق

السيتي لم يعتمد على موسم استثنائي واحد، بل صنع هيمنة ممتدة، وهو ما لا يتحقق إلا بمنظومة مستقرة.

دوري أبطال أوروبا: اللقب الذي أكد اكتمال المشروع

سنوات طويلة من الإخفاق الأوروبي كانت نقطة ضعف المشروع. لكن الإصرار على الاستمرارية وعدم تغيير الاتجاه أتى ثماره أخيرًا بتحقيق لقب دوري أبطال أوروبا.

هذا اللقب لم يكن صدفة، بل نتيجة:

  • خبرة تراكمية
  • نضج تكتيكي
  • فريق يعرف كيف يفوز في اللحظات الكبرى

هنا فقط اكتمل التحول من مشروع مالي إلى قوة تاريخية.

الجدل والانتقادات: هل النجاح مبرر؟

لا يمكن الحديث عن مانشستر سيتي دون التطرق إلى الجدل حول الإنفاق وقوانين اللعب المالي النظيف. الانتقادات موجودة، لكنها لا تلغي حقيقة أساسية: المال وحده لا يضمن النجاح.

كثير من الأندية أنفقت مبالغ مشابهة أو أكبر، لكنها فشلت بسبب غياب الرؤية. السيتي نجح لأنه عرف كيف يستخدم المال، لا لأنه يملكه فقط.

نموذج يُدرّس لا يُقلد بسهولة

مانشستر سيتي لم يشترِ البطولات، بل بنى طريقًا واضحًا إليها. الاستثمار كان مجرد أداة، أما النجاح فجاء من:

  • إدارة واعية
  • مدرب عبقري
  • تخطيط طويل الأمد
  • منظومة متكاملة داخل وخارج الملعب

تحويل الأموال إلى ألقاب ليس مسألة أرقام، بل مسألة قرارات. ومانشستر سيتي، شئنا أم أبينا، أصبح أحد أفضل من أتقن هذه المعادلة في تاريخ كرة القدم الحديثة.

تعليقات