يُعد منتخب إيطاليا واحدًا من أعظم المنتخبات في تاريخ كرة القدم، فقد صنع عبر عقود طويلة إرثًا استثنائيًا توج بأربعة ألقاب في كأس العالم، وبطولتين في كأس أوروبا، إلى جانب ظهور متكرر في المراحل النهائية لأكبر البطولات.
لكن صورة الأزوري تغيرت بصورة واضحة في السنوات الأخيرة. فبعد أن كان المنتخب الإيطالي أحد المرشحين الدائمين للمنافسة على البطولات، أصبح يعاني من أزمة نتائج وبناء أجيال جديدة، ووصل الأمر إلى غيابه عن كأس العالم في ثلاث نسخ متتالية، وهي 2018 و2022 و2026.
وتبدو المفارقة أكبر عندما نتذكر أن إيطاليا كانت قد توجت ببطولة أوروبا عام 2021، قبل أن تدخل بعدها في واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث.
منتخب إيطاليا وبداية المجد العالمي
بدأ المجد الحقيقي لمنتخب إيطاليا في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما قاد المدرب فيتوريو بوتزو جيلًا قويًا إلى أول لقب عالمي.
توج الأزوري بكأس العالم 1934 التي أقيمت على الأراضي الإيطالية، ثم نجح في الدفاع عن لقبه في كأس العالم 1938، ليصبح أول منتخب يحتفظ بالبطولة.
وضم ذلك الجيل مجموعة من اللاعبين المميزين، وكان يتمتع بالانضباط والقوة والقدرة على التعامل مع المباريات الكبرى، وهي صفات أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من شخصية الكرة الإيطالية.
وكان الفوز بلقبين عالميين متتاليين بداية تحول إيطاليا إلى قوة كروية كبرى على الساحة الدولية.
جيل إيطاليا بطل أوروبا 1968
بعد سنوات من التراجع، عاد منتخب إيطاليا إلى منصات التتويج من بوابة بطولة أوروبا عام 1968.
كان المنتخب يضم لاعبين بارزين مثل جاشينتو فاكيتي ودينو زوف وساندرو ماتزولا، ونجح في الوصول إلى النهائي أمام يوغوسلافيا.
انتهت المباراة الأولى بالتعادل، قبل أن تحسم إيطاليا مباراة الإعادة لصالحها بهدفين دون رد، لتتوج بأول بطولة أوروبية في تاريخها.
وكان لقب 1968 مهمًا لأنه أكد قدرة الكرة الإيطالية على العودة إلى القمة بعد فترات التراجع، كما أصبح أساسًا لجيل جديد استطاع المنافسة بقوة في السنوات التالية.
جيل إيطاليا في كأس العالم 1982
يُعد جيل كأس العالم 1982 من أعظم الأجيال في تاريخ منتخب إيطاليا.
قاد إنزو بيرزوت مجموعة من النجوم، أبرزهم باولو روسي ودينو زوف وبرونو كونتي وغايتانو شيريا وماركو تارديلي.
وبعد بداية متواضعة في البطولة، انفجر المنتخب الإيطالي في الأدوار الحاسمة، وكانت مواجهة البرازيل في الدور الثاني واحدة من أشهر مباريات كأس العالم.
سجل باولو روسي ثلاثة أهداف ليقود إيطاليا إلى الفوز بثلاثة أهداف مقابل هدفين، ثم تجاوز المنتخب بولندا في نصف النهائي.
وفي النهائي، فاز الأزوري على ألمانيا الغربية بثلاثة أهداف مقابل هدف، ليتوج بكأس العالم للمرة الثالثة في تاريخه.
وكان باولو روسي أحد أبرز نجوم البطولة، بعدما تصدر قائمة الهدافين وقاد منتخب بلاده إلى المجد العالمي.
إيطاليا في كأس العالم 1990
دخلت إيطاليا كأس العالم 1990 على أرضها بجيل قوي ضم أسماء مثل روبرتو باجيو وسالفاتوري سكيلاتشي وباولو مالديني وفرانكو باريزي وجانلوكا فيالي.
قدم الأزوري بطولة قوية ووصل إلى نصف النهائي، لكنه خسر أمام الأرجنتين بركلات الترجيح بعد التعادل.
واكتفى المنتخب بالمركز الثالث بعد الفوز على إنجلترا، بينما حصل سكيلاتشي على لقب هداف البطولة.
ورغم عدم تحقيق اللقب، أثبت جيل 1990 أن إيطاليا ما زالت قادرة على المنافسة في أعلى المستويات.
جيل إيطاليا في كأس العالم 1994
امتلك منتخب إيطاليا في كأس العالم 1994 مجموعة أخرى من النجوم، وكان روبرتو باجيو أبرزهم.
قاد باجيو الأزوري إلى النهائي بعد تسجيله أهدافًا حاسمة، خصوصًا في مواجهة بلغاريا بنصف النهائي.
وفي المباراة النهائية، واجهت إيطاليا منتخب البرازيل، وانتهت المباراة بالتعادل دون أهداف بعد الوقت الأصلي والإضافي.
وحسمت البرازيل اللقب بركلات الترجيح، في واحدة من أشهر نهايات كأس العالم، بعدما أهدر باجيو الركلة الأخيرة.
ورغم الخسارة، ظل جيل 1994 واحدًا من أكثر الأجيال موهبة في تاريخ المنتخب الإيطالي.
جيل إيطاليا الذهبي في كأس العالم 2006
يمثل جيل 2006 آخر تتويج عالمي لمنتخب إيطاليا، وربما أكثر الأجيال تكاملًا في العصر الحديث.
كان الفريق بقيادة مارشيلو ليبي، وضم جانلويجي بوفون الذي يع واحد من أفضل حارس مرمى في تاريخ كرة القدم وفابيو كانافارو وأندريا بيرلو وفرانشيسكو توتي وأليساندرو دل بييرو ولوكا توني ودانييلي دي روسي.
تميز المنتخب بقوة دفاعية كبيرة، مع وجود لاعبين قادرين على صناعة الفارق في الوسط والهجوم.
تجاوز الأزوري ألمانيا في نصف النهائي بهدفين في الوقت الإضافي، ثم واجه فرنسا في النهائي.
انتهت المباراة بالتعادل، وحسمت إيطاليا اللقب بركلات الترجيح، لتتوج بكأس العالم للمرة الرابعة بعد ألقاب 1934 و1938 و1982.
وكان فابيو كانافارو وبوفون وبيرلو من أبرز نجوم ذلك الجيل، الذي أصبح آخر منتخب إيطالي يرفع كأس العالم.
إنجازات منتخب إيطاليا الكبرى
يملك منتخب إيطاليا سجلًا تاريخيًا يجعله من أنجح المنتخبات في العالم.
فقد توج بكأس العالم أربع مرات في أعوام 1934 و1938 و1982 و2006، كما فاز ببطولة أوروبا مرتين عامي 1968 و2020.
ووصل الأزوري أيضًا إلى نهائي كأس العالم عامي 1970 و1994، إضافة إلى بلوغ نهائي بطولة أوروبا في 2000 و2012.
وتؤكد هذه الأرقام أن إيطاليا لم تكن منتخب بطولات فقط، بل ظلت لعقود من القوى الأساسية في كرة القدم العالمية.
جيل إيطاليا بطل أوروبا 2020
جاء آخر إنجاز كبير لإيطاليا بعد سنوات قليلة من واحدة من أكبر صدماتها.
فبعد الفشل في التأهل إلى كأس العالم 2018، أعاد روبرتو مانشيني بناء المنتخب، ونجح في تكوين فريق يعتمد على الاستحواذ والضغط واللعب الجماعي.
وضم المنتخب جيانلويجي دوناروما وجورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي وماركو فيراتي ونيكولو باريلا ولورينزو إنسيني وفيديريكو كييزا.
وفي بطولة أوروبا التي أقيمت عام 2021 بعد تأجيلها، قدم الأزوري أداءً مميزًا ووصل إلى النهائي أمام إنجلترا.
تعادلت إيطاليا مع إنجلترا، قبل أن تحسم ركلات الترجيح اللقب لصالحها، لتتوج بأوروبا للمرة الثانية في تاريخها.
وكان ذلك الإنجاز دليلًا على أن الكرة الإيطالية لم تكن قد فقدت قدرتها على صناعة الفرق الكبرى.
من قمة أوروبا إلى أزمة كأس العالم
كانت المفارقة أن إيطاليا أصبحت بطلة أوروبا ثم فشلت في الوصول إلى كأس العالم التالي.
فبعد تتويجها الأوروبي، لم تتمكن من حسم التأهل المباشر إلى كأس العالم 2022، ثم خسرت أمام مقدونيا الشمالية في الملحق بهدف قاتل، لتغيب عن المونديال للمرة الثانية على التوالي.
وبدأت علامات الأزمة تظهر بوضوح، خصوصًا مع تقدم عدد من نجوم الجيل المتوج بأوروبا في العمر، وصعوبة تعويضهم بنفس الجودة.
إيطاليا والغياب عن كأس العالم 2018
كانت بداية الأزمة الكبرى عندما فشلت إيطاليا في التأهل إلى كأس العالم 2018.
احتلت المركز الثاني في مجموعتها خلف إسبانيا، ثم واجهت السويد في الملحق الأوروبي.
وخسر الأزوري بهدف دون رد في مجموع المباراتين، ليغيب عن كأس العالم لأول مرة منذ عام 1958.
كانت الصدمة كبيرة، لأنها كشفت مبكرًا عن وجود مشكلة في عملية تجديد المنتخب، رغم امتلاك إيطاليا تاريخًا ضخمًا في البطولة.
الغياب عن كأس العالم 2022
لم يكن غياب 2018 حادثة عابرة.
فعلى الرغم من فوز إيطاليا ببطولة أوروبا، فشل المنتخب في التأهل المباشر إلى كأس العالم 2022.
وفي الملحق، خسر أمام مقدونيا الشمالية بهدف في الدقائق الأخيرة، لتنتهي أحلامه في الوصول إلى البطولة.
وهنا أصبحت المشكلة أكثر خطورة، لأن بطل أوروبا كان يغيب عن كأس العالم للمرة الثانية على التوالي.
إيطاليا تغيب عن كأس العالم للمرة الثالثة
جاءت الضربة الثالثة في تصفيات كأس العالم 2026.
أنهت إيطاليا مجموعتها في المركز الثاني خلف النرويج، لتتجه إلى الملحق الأوروبي مرة أخرى. ونجح المنتخب في تجاوز أيرلندا الشمالية بهدفين دون رد في نصف النهائي، قبل أن يواجه البوسنة والهرسك في المباراة الحاسمة.
تقدمت إيطاليا بهدف مويس كين، لكن البوسنة والهرسك أدركت التعادل، وانتهت المباراة بالتعادل بهدف لكل منتخب، قبل أن تحسم البوسنة التأهل بركلات الترجيح بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدف.
وبذلك غاب منتخب إيطاليا عن كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي في 2018 و2022 و2026، وهي سابقة مؤلمة لمنتخب سبق له الفوز بالبطولة أربع مرات.
لماذا تراجع منتخب إيطاليا؟
لا يمكن تفسير التراجع بسبب واحد، لكن أبرز الأسباب يتمثل في صعوبة إنتاج جيل جديد يملك جودة الأجيال السابقة.
فقد ابتعد عدد كبير من نجوم الجيل الذهبي الأخير، مثل بوفون وكيليني وبونوتشي وفيراتي وإنسيني، دون أن تظهر بدائل بالخبرة والجودة نفسها.
كما عانى المنتخب من عدم الاستقرار الفني، إلى جانب مشكلة واضحة في إيجاد مهاجم قادر على تسجيل الأهداف باستمرار وحسم المباريات الصعبة.
وأصبحت إيطاليا تعتمد كثيرًا على مباريات الملحق، وهو أمر لم يكن معتادًا بالنسبة إلى منتخب بحجم الأزوري.
الفارق بين أجيال المجد والجيل الحالي
كانت الأجيال الذهبية تمتلك لاعبين كبارًا في جميع المراكز تقريبًا.
جيل 1982 جمع بين زوف وشيريا وتارديلي وكونتي وباولو روسي، بينما امتلك جيل 2006 بوفون وكانافارو وبيرلو وتوتي ودل بييرو.
أما جيل 2020 فنجح في تحقيق بطولة أوروبا بفضل قوة المجموعة والانضباط التكتيكي.
لكن المشكلة أن الجيل الحالي لم يصل بعد إلى مستوى التكامل الذي ميز تلك الفرق، كما أن بعض اللاعبين الشباب ما زالوا بحاجة إلى المزيد من الخبرة في المباريات الدولية الكبرى.
هل تستطيع إيطاليا العودة إلى القمة؟
رغم الأزمة، لا يمكن القول إن الكرة الإيطالية فقدت مكانتها بشكل نهائي.
فالتاريخ يؤكد أن إيطاليا قادرة على العودة بعد الأزمات، وأفضل مثال على ذلك فوزها ببطولة أوروبا بعد غيابها عن كأس العالم 2018.
لكن العودة تحتاج إلى مشروع واضح وطويل الأمد، يبدأ من تطوير المواهب ومنح اللاعبين الشباب فرصًا أكبر، مع تحقيق الاستقرار الفني.
كما تحتاج إيطاليا إلى إنتاج لاعبين قادرين على تحمل ضغط القميص الأزرق، بدل الاعتماد على ذكريات الأجيال السابقة.
مستقبل منتخب إيطاليا
أمام الأزوري مهمة صعبة تتمثل في بناء جيل جديد قادر على إعادة المنتخب إلى البطولات الكبرى.
ولا تحتاج إيطاليا إلى البحث عن نسخة جديدة من بوفون أو بيرلو أو توتي، بل إلى تكوين فريق يمتلك شخصيته الخاصة ويتناسب مع متطلبات كرة القدم الحديثة.
ويظل تطوير المواهب المحلية، والاستقرار الفني، وتحسين جودة الاختيارات، من أهم المفاتيح التي يمكن أن تساعد المنتخب على تجاوز أزمته.
منتخب إيطاليا بين الماضي والحاضر
تكشف مقارنة الماضي بالحاضر عن تناقض واضح في مسيرة منتخب إيطاليا.
فهذا المنتخب توج بكأس العالم أربع مرات، وحقق بطولة أوروبا مرتين، وامتلك أجيالًا تاريخية قادته إلى منصات التتويج في مختلف العصور.
لكن الأزوري يعيش حاليًا واحدة من أصعب فتراته، بعدما غاب عن ثلاث نسخ متتالية من كأس العالم.
ومع ذلك، فإن الأزمة الحالية لا تلغي تاريخ إيطاليا، ولا تعني أن المنتخب فقد قدرته على العودة. فالفوز ببطولة أوروبا 2020 أثبت أن الأزوري يستطيع النهوض عندما تتوافر له الرؤية والاستقرار.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا التاريخ إلى نقطة انطلاق، وليس إلى مجرد ذكريات. فإذا نجحت إيطاليا في بناء جيل جديد يمتلك الجودة والشخصية والاستقرار، فقد تبدأ مرحلة جديدة تعيد المنتخب تدريجيًا إلى مكانته بين كبار كرة القدم العالمية.

